69 رجلاً وامرأة واحدة فقط في هاله-نويشتات

Abdullah Alqaseer vor dem Straßenschild der Lise-Meitner-Straße
Abdullah Alqaseer vor dem Straßenschild der Lise-Meitner-Straße. © Emma Alqaseer
Abdullah Alqaseer vor dem Straßenschild der Lise-Meitner-Straße. © Emma Alqaseer

منذ أكثر من عام وأنا أجوب شوارع هاله-نويشتات، لا كعابر سبيل، بل كباحث يتتبع القصص المنسية الكامنة خلف لافتات الشوارع الزرقاء.

بدأ عملي من خلال «مشروع StraßenQR»، الذي يبدو للوهلة الأولى مشروعاً تقنياً بحتاً: تُنشأ رموز QR وتُثبَّت على أعمدة الإنارة، لربط المارّة بالسير الذاتية للشخصيات التي تحمل الشوارع أسماءها.

لكن هذا التجوال سرعان ما تحوّل من مهمة توثيقية إلى مواجهة مع «صمت الذاكرة»، ومع فجواتها اللافتة.

وأثناء برمجتي للرموز الرقمية، أخذت الأسماء تتراكم أمامي لتشكّل قائمة بدت أشبه بـ«نادٍ حصري للرجال». وأظهر الإحصاء الدقيق رقماً لا يحتاج إلى تأويل:

69 شارعاً تحمل أسماء رجال –

وفي المقابل، لا يوجد سوى شارع واحد فقط يحمل اسم امرأة: شارع ليزه مايتنر Lise-Meitner-Straße.

امرأة واحدة تقف بمفردها في حي بأكمله، وكأنها كانت المرأة الوحيدة التي دُعيت إلى حفل الذاكرة هذا.

وفي مفارقة لافتة، نجد أيضاً في الحي 18 شارعاً تحمل أسماء نباتات، وسبعة تحمل أسماء مرتبطة بالخيول، و18 شارعاً تحمل أسماء مسطحات أو عناصر مائية. وبين الأسماء المائية نجد في المقام الأول أسماء أنهار، إلى جانب أسماء تشير إلى بحيرة وبرك ونوافير.

وهكذا تبدو النباتات والخيول والمياه أكثر حضوراً في الذاكرة الحضرية من النساء اللواتي أسهمن بصورة جوهرية في تشكيل التاريخ والعلم والمجتمع.

 نظام مخطَّط – وفجوة لافتة

لكن هذا التوزيع لم ينشأ بمحض المصادفة. فحتى إعادة توحيد ألمانيا، لم تكن هناك في هاله-نويشتات – باستثناءات قليلة – أسماء شوارع بالمعنى الذي نعرفه اليوم. وكان الاهتداء إلى الأماكن يعتمد أساساً على المجمعات السكنية والكتل المرقّمة. ولم تحصل شوارع كثيرة على أسمائها الحالية إلا بعد إعادة التوحيد.

واتبعت عملية التسمية مفهوماً واضحاً: فقد وُضعت لكل مجمع سكني موضوعات محددة. وهكذا نشأت أحياء تحمل شوارعها أسماء نباتات، وسلالات خيول، وأنهار، وملحنين، وفنانين، وعلماء. وكان الهدف من هذه الأسماء منح كل حي طابعاً خاصاً، وفي الوقت نفسه تسهيل الاهتداء إلى الأماكن.

لكن هذا النظام المدروس تحديداً لا يجعل الأرقام أقل إثارة للانتباه، بل يطرح سؤالاً آخر:

إذا كان اختيار الأسماء قد جرى عن قصد، فمن الذين اعتُبروا، ضمن هذه الموضوعات، جديرين بأن تحفظهم الذاكرة – ومن الذين لم يُعتبروا كذلك؟

بين الفنانين والملحنين والعلماء الذين تحمل لافتات الشوارع أسماءهم اليوم، نجد الرجال بشكل شبه حصري. وليس من الضروري أن يكون ذلك نتيجة قرار متعمّد ضد النساء، بل يشير أكثر إلى التصورات السائدة آنذاك حول إنجازات مَن كان يُنظر إليها تلقائياً بوصفها جديرة بالتذكّر.

ومع ذلك، لا نحتاج إلى البحث بعيداً للعثور على نساء شاركن مباشرة في نشوء هاله-نويشتات. إحداهن Helga Gärtner.  فقد جاءت، وهي مهندسة شابة في مجال الهندسة المدنية، في نهاية مايو/أيار 1964 إلى المكتب الذي أُنشئ حديثاً للمعماري الرئيسي Richard Paulick، وعملت هناك حتى بداية عام 1968. وبالعمل إلى جانب معماريين ومهندسين ومسّاحين ورسامات تقنيات وغيرهم من العاملين والعاملات، كانت جزءاً من عملية التخطيط التي خرجت منها المدينة الجديدة إلى الوجود.

واليوم تروي Helga Gärtner بنفسها ذكرياتها عن تلك المرحلة، فتحفظ بذلك جزءاً من تاريخ المدينة لا يكاد يظهر على لافتات الشوارع. وعلى الأرجح، ليست قصتها الوحيدة. فقد كانت هناك نساء أخريات شاركن في بناء هاله-نويشتات وفي حياتها، كمهندسات ومعماريات وعاملات وفي مهن أخرى.

وربما تكون بعض الأسماء التي تستحق مستقبلاً مكاناً في الفضاء العام أقرب إلينا مما نعتقد: في سير أولئك النساء اللواتي شاركن بأنفسهن في بناء هاله-نويشتات وتشكيل هويتها.

 رمز QR: نافذة على الفجوات

من خلال «مشروع StraßenQR» أدركت أن التكنولوجيا لا توثّق فحسب، بل يمكنها أيضاً أن تجعل ما هو غائب مرئياً.

فأسماء الشوارع أكثر من مجرد علامات للاهتداء إلى الأماكن؛ إنها تشكّل سردية بصرية تنقل إلى المارّة، ولا سيما الأطفال، صورة عمّن يُعتبر جديراً بأن تحفظه الذاكرة، ومن لا يُعتبر كذلك.

كل رمز QR نثبّته اليوم على عمود إنارة يقود إلى قصة. لكن الواقع يُظهر أن قصص النساء لم تُروَ حتى الآن إلا نادراً على هذه اللافتات.

المقصود ليس محو الأسماء الموجودة، بل توسيع نطاق الذاكرة، بحيث تقدم صورة أقرب إلى واقع التنوع المجتمعي، وتضع معايير أكثر إنصافاً بشأن الأسماء التي تُخلَّد في الفضاء العام.

 نحو ثقافة ذاكرة أكثر توازناً

تملك المدن الحديثة فرصة حقيقية لتصحيح هذا الاختلال الرمزي، لا عن طريق المحو، بل عن طريق الإضافة.

فعلى سبيل المثال، يمكن لشارع Lise-Meitner-Straße أن يتحول من مجرد تسمية جغرافية صامتة إلى مكان حيّ للذاكرة، من خلال فعالية سنوية مثلاً تحتفي بإنجازات النساء في العلوم والثقافة وتاريخ المدينة. ويمكن في إطارها، على وجه الخصوص، رواية قصص النساء اللواتي شاركن في نشوء هاله-نويشتات وتطورها.

خطوة كهذه لن تكسر صمت الأرقام فحسب، بل قد تسهم أيضاً في جعل القصص التي لا تزال غائبة مرئية، وتحويل رموز QR من مجرد نوافذ تطل على الماضي إلى أدوات لبناء ذاكرة جماعية أكثر توازناً.

هامش

StraßenQR  هو مشروع فرعي من «Unser HaNeu» في إطار مبادرة Smart City التابعة لمدينة هاله (زاله). وتتيح رموز QR الموجودة في الفضاء العام الوصول رقمياً إلى القصص الكامنة وراء أسماء شوارع هاله-نويشتات، لتربط بذلك تاريخ الحي بأماكن حياتنا اليومية المعاصرة.